مسرحية الجيش اللبناني في المخيمات السورية

عرسال

جاد شحرور

لا تستطيع في هذه الظروف الصعبة التي تمرّ بها بلادنا أن تكتب أيّ ستاتوس سياسيّ أو نضاليّ. ترى نفسك محاصراً فوراً، بين فريقين، الوطنيين والإنسانيين. ستتجمّد كلّ طاقاتك الفكرية الإنسانية السياسية‪.

تجلس أمام تلفازك، تظهر أمامك جثث اللاجئين السوريين تفترش الأرض، وأنت تشرب الشاي وتقول: “يا ويلاه”… ثمّ تكتشف أنّها ليست جثثاً. هم أحياء مكبّلون على الأرض، عراة في صدد الموت. فتسأل: لماذا؟ يجيبك الوطنيون على الـ “فيسبوك”، “هؤلاء داعش”. فتستنتج أنّ داعش يأتيك في أشكال عدّة، أبرزها طفل نحيل لا يتجاوز التسع سنوات، ويمكن أن يكون كهلاً في نهاية السبعين، أو امرأة حامل في نهاية العشرين من عمرها، وجنينها في شهره السابع. لكن لا تَخَفْ، فالجيش اللبناني، وبدعم من الوطنيين الفايسبوكيين، استطاع أن يكشفهم. داهم خيمهم، رماهم أرضاً. مرمغ وجوههم في الوحل، وكبّل أيديهم.

لا بدّ من بعد هذا المشهد البطولي أن تتّجه نحو “الستيريو” وتستمع إلى النشيد الوطني اللبناني. حتّى لو كانت الساعة الثامنة والنصف ليلاً وأنت ترتدي البيجاما. المهم أن تثني يدك اليمنى وأن تضعها على جبينك، وأن تحمل كوب الشاي بيدك اليسرى، وتقوم بتمثيل المشية العسكرية: مكانك، وأنت رافع رأسك، اصرخ عالياً: “إيدنا بصبّاطك يا أيّها الجيش الباسل”. ولا ضرر في أن تتراصف زوجتك وأولادك خلفك ليردّدوا وراءك: “إيدنا بصبّاطك يا أيّها الجيش الباسل”.

ومن المستحبّ وطنياً، أن تنقل العبارة إلى “تويتر” و”فيسبوك”، حيث يتشارك جميع الوطنيين فرحتهم أمام هذا الإنجاز الوطني. في هذه اللحظات يجب أن تبقي عينيك على نشرة الأخبار، فإن ظهرت صورة “السيسي”، سارع في انتقاد هذا العسكري الذي يحكم مصر العربية، كوطني يجب عليك انتقاد الجزمة العسكرية في مصر، واكتب على الـ”فيسبوك”، “يا ديعان الثورة، يا ديعان شبابك يا مصر. #يسقط_حكم_العسكر”.

على الضفة الأخرى من العالم الافتراضي، إنسانيون دواعش، يتضامنون مع لاجئين هُجّروا من بلادهم بسبب نظام قمعي فاسد، ظلمهم، لا بل ظلم كلّ من حوله من دول، أوّلهم دولة هؤلاء الإنسانيين.

وهناك من انتقدوا جيش بلادهم، فقط لأنّهم يحملون ذرة إنسانية في قلوبهم، وخبّأوا بعضاً من الحرية السياسية في عقولهم، ولم يرهنوا حريّتهم لـ”رعب الجزمة العسكرية”. أحد هؤلاء الإنسانيين الدواعش قرّر أن يتضامن مع طفل سوري لاجىء، واجهه وطني بالقول: “تتضامن معهم؟ غدا عندما يأتي داعش، أخبرني ماذا سينفعك التضامن! دع الجيش يدعس في قلوبهم، يقطع رؤوسهم”… إلى غيرها من التعليقات المشابهة.

القطع والدعس! الكلمات ليست غريبة عن نشرات الأخبار.. من اشتهر بهذه الأفعال مؤخّرا؟

ظاهرة الوطنيين تخطّت عنصرية أقطاب السياسة في لبنان. أنياب الوطنيين تنهش إنسانيتنا المقموعة تحت جزمة عسكريّ عَنْون تصرفّاته بـ”الجيش خطّ أحمر”. هذا الخطّ الأحمر ما هو إلا دم سائل من أجساد بريئة.

“الإنسانيون” ينظرون بصدق إلى الواقع، لا ينفعلون مع أغنية وطنية ولا فيديو كليب بطوليّ، وفي الوقت نفسه لا يقلّلون من هيبة الجيش. فالجيش مكوّن من عائلاتنا، الجيش اللبناني ليس غريب، أنتم أيّها “الوطنيون” غرباء بوطنيتكم الغريبة.

ملاحظة: عمر هذه التدوينة سنتين، نشرتها في العام 2014 عندما شاهدنا في الأخبار نفس صور اليوم في عرسال… الجيش في المخيمات السورية.

المزيد

Shares