رحلتي الأولى إلى لبنان

جاد شحرور

كنت في الرابعة من عمري. ولم أصدّق أنّنا نستطيع الطيران. أصبحت أشبه الأبطال الخارقين: أستطيع الطيران. ولم أتخلّ عن “حْرَام” بنيَ اللون كنت آخذه أينما ذهبت. وفي الطائرة وضعته على كتفيّ وصنعتُ من نفسي سوبرمان يناسب خيالي.

أتت المضيفة لتتأكّد من جلوسنا على مقاعدنا، وقالت: “مهضوم إبنك مدام”. وسألت أمّي: “أوّل مرة؟”. ردت والدتي مبتسمة: “إيه.. أوّل مرّة بيطلع جاد على طيّارة”. قاطعتها مستنفرا: “لا، أنا من زمان بطير! وهيدا حِرامي”. فضحكت المضيفة وقبّلتني.

بعدها بدأ الكابتن بالكلام. فسألت أمي عن هويّة المتكلم، ولماذا لا نراه؟! هل هو يرانا؟ نراه ولا يرانا؟ نسمعه، هل يسمعنا؟!

أقلعت الطيارة وأنا أحدّق بالأرض. وكلّما ارتفعنا ارتفع منسوب دهشتي، إلى أن ارتفعنا إلى سماء عالية وأصبح بإمكاننا فكّ الحزام. فوقفت رافعًا قبضة يدي كما يفعل سوبرمان وغافلت أمي وصرت أركض في ممر الطائرة. فأتت المضيفة مجددًا وحملتني وقبّلتني، مرّة أخرى. هنا بدأت أحبّ قبلتها. فهي شابة جميلة: “بدّك تسوق الطيّارة؟”، سألتني، فصرخت عاليًا:”ماما رح سوق الطيّارة”. بطبيعة الحال الناس في طائرة يضحكون، بمن فيهم أمي: “سوق على مهلك”، قالت الوالدة.

غرفة التحكم كانت أشبه بأفلام الكرتون التي أشاهدها على قناة “ديزني” للكرتون. كلّ هذه الأزرار كانت تذكرني بمسلسلات كرتونية كنت أعشقها. لكنّ المهمّ أنّ الحلم يصبح حقيقة. ما رأيته في التلفاز ها أنا أراه أمامي.

وبدأت أطرح أسئلة بلا نهاية… وطبعًا جوابي على كلّ إجابة، الذي لا أملّ منه، والسؤال الأكثر إزعاجا من الصغار: “ليه؟ طب ليه هيك؟ ليه؟”.

بعدها أخذتني المضيفة إلى أمي وقالت لي: “حان موعد الأكل”.

كالعادة أوقعت الشراب على ثيابي، وانزعجت أمي كثيرًا. فأخذتني المضيفة مرّة أخرى وقالت لأمي: “أنا حبّيتو، خلص أنا بنضّفلو تيابو”. لكن هذه المرة لم تقبَلني!

انتظرتها لتقبَلني. لكنّها لم تفعل! قالت لي: “عم تعذِّب يا جاد”. قلت لها “هيّ وقعت مش أنا”. فقبّلتني وقالت مبتسمة: “هيّ وقعت إيه؟”. وكنت سعيدًا بقبلتها.

عدت وجلست إلى جانب أمي، وسألتها: “ماما، هيدا يلي عم يسوق صوتو بيشبه صوت يلي طلع أول ما طلعنا على الطيارة!؟”.

دخلنا في غيمة، فصرخت قائلاً: “ماما! فتنا بالغيمة!”. وبقيت مندهشا وأمي تضحك على كلّ ردة فعل أقوم بها. كنت سعيدًا فعلا بما يحصل.

وبعد نصف ساعة عاد صوت الرجل ليقول لنا إنّنا وصلنا إلى مطار لبنان وسوف نهبط وإنّه علينا أن نجلس وأن نضع الأحزمة..

عند خروجنا من الطائرة حملتني المضيفة وهذه المرّة أنا بادرت بالقبلة. فغمرتني وقبّلتني مرة أخرى.

وصلنا إلى داخل المطار. كانت العائلة في انتظارنا. هنا الدهشة الثانية:  كلّ الذين كنت أراهم في الصور أو أسمع أصواتهم على الهاتف ها أنا أراهم مباشرة أمام عيني.

هي رحلتي الأولى في الطائرة. تحوّلت الشخصيات الكرتونية إلى حقيقة. تعرّفت إلى حبّي لقبلة المضيفة. وتحوّلت عائلتي من صور إلى أشخاص حقيقيين.

لقراءة الخبر في موقع العربي الجديد، اضغط هنا.

المزيد

Shares